المسعودي

135

مروج الذهب ومعادن الجوهر

عمارة فيه ولا حيوان ناطق يسكنه ولا يحاط بمقداره ولا تُدْرَى ولا تدرك غايته ولا يعلم منتهاه وهو بحر الظلمات والأخضر والمحيط ، وقد قيل : إن المنارة على غير هذا الزقاق ، بل في جزيرة من جزائر بحر أوقيانوس المحيط وسواحله . وقد ذهب قوم إلى أن هذا البحر أصل ماء سائر البحار ، وله اخبار عجيبة ، قد أتينا على ذكرها في كتابنا « اخبار الزمان » في أخبار من غرَّر وخاطر بنفسه في ركوبه ، ومن نجا منهم ومن تلف ، وما شاهدوا منه وما رأوا ، وان منهم رجلا من أهل الأندلس يقال له خشخاش ، وكان من فتيان قرطبة وأحداثها ، فجمع جماعة من أحداثها ، وركب بهم في مراكب استعدها في هذا البحر المحيط ، فغاب فيه مدة ثم انثنى بغنائم واسعة ، وخبره مشهور عند أهل الأندلس ، وبين هذه المنارة المنصوبة ، وبين موضع الأحجار البحار مسافة طويلة في طول مصب هذا الخليج وجريانه ، وذلك أن ماء يجري من بحر أوقيانوس إلى البحر الرومي ، يحس بجريانه ويعلم بحركته ، ويتشعب من بحر الروم والشام ومصر ، خليج من نحو خمسمائة ميل يتصل بمدينة رومية تسمى بالرومية ادرس ، وعلى هذا الخليج من جانب المغرب قرية يقال لها سَبْتَة ، وهي وطنجة من ساحل واحد ، ويقابل سبتة هذه من ناحية الأندلس الجبل المعروف بجبل طارق مَوْلى موسى بن نُصَيْر ، ويَعْبُرُ الناس من سبتة إلى ساحل الأندلس من غدوة إلى الظهر ، وفي هذا الخليج مَوْجٌ عظيم ، والماء من هناك يخرج من بحر أوقيانوس ، ويصب إلى البحر الرومي ، وفي هذا الخليج مواضع تعلو أمواجها ، ويعلو الماء من غير ريح ، وهذا الخليج يسميه أهل المغرب وأهل الأندلس الزقاق إذ كان على هيئة ذلك ، وفي بحر الروم جزائر كثيرة منها : جزيرة قبرص بين ساحل